التعارض والترجيح

التعارض والترجيح
   إن الأدلة الشرعية لا تتعارض أبدا ، وإنما يقع التعارض بينها في نظر المجتهد . ولهذا فهو تعارض ظاهري ، وبالنسبة للمجتهد ، وليس هو بتعارض حقيقي . وهذا التعارض الظاهري يعني اقتضاء كل واحد من الدليلين المتعارضين في وقت واحد حكما معينا في الواقعة المعينة التي يبحث المجتهد في معرفة حكمها ويكون هذان الحكمان متعارضين أي مختلفين.
ويشترط لوقوع هذا التعارض الظاهري :
1-أن يكون الدليلان في قوة واحدة كآيتين من القرآن الكريم ، أو كحديثين من سنة الآحاد ، وفي هذه الحالة يبحث المجتهد عن تاريخ ورود النصين ن فإن علم تاريخهما حكم بأن المتأخر منهما ناسخ للمتقدم ، مثال ذلك : قوله – تعالي - :]والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلي الحول غير إخراج [وقوله – تعالي -:] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ .
2-أفادت الآية الأولي : أن عد ة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة ، وكان هذا في أول الإسلام ، وأفادت الآية الثانية : أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ، وحيث إن هذه الآية متأخرة في النزول عن الأولي فتكون ناسخة لها ، ويكون حكمها هو الثابت .
   ومثاله – أيضا -: الآية ] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ وقوله – تعالي -:]وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ [ الطلاق : 4 ] .
   دلت الآية الأولي : على أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ، لا فرق بين حامل وغير حامل ، ودلت الآية الثانية: على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنتهي بوضع الحمل . وقد ذهب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، إلي أن الآية الثانية متأخرة في النزول عن الآية الأولي ، فتكون ناسخة لها بالنسبة للحامل فتعتد بوضع الحمل طالت مدته أو قصرت .
   وإذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين ، لجأ المجتهد إلي ترجيح احد النصين على الآخر بطريق من طرق الترجيح الآتية :
أولا : يرجح النص إلي الظاهر :
   ومثاله : قوله – تعالي -، بعد أن بين المحرمات من النساء :]وأحل لكم ما وراء ذلكم [ [ النساء : 24 ] .
   ظاهر الآية يدل على إباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات من غير المحرمات من النساء ، ولكن هذا الظاهر عارضه قوله – تعالي -: ]فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع[فهذه الآية نص في تحريم نكاح ما زاد على أربع زوجات .
ترجح دلالة المنطوق على دلالة المفهوم عند التعارض :
   ومثاله قوله – تعالي -:] يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة [ فإذا اعتبرنا فيها مفهوم المخالفة فإنه يعارض قوله – تعالي -: ] وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ [ البقرة : 279 ] لأنه يفيد بمنطوقة حرمة الربا وإن قل فيقدم على الأول .
الجمع والتوفيق :
   وإذا تعذرت معرفة الناسخ ، وانعدمت طرق الترجيح التي ذكرناها ، وكان النصان في قوة واحدة – كما ذكرنا – فإن المجتهد يلجأ إلي الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين ، فيوفق بينهما بطريق من طرق الجمع والتوفيق ، ويعمل بالنصين / ونت الأمثلة على ذلك :
   أ – قوله – تعالي -: ] كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين[ [ البقرة : 180 ] .
   وقوله – تعالي - :] يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين أباؤكم وأبنائكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما[ [ النساء : 11] .
   أوجبت الآية الأولي الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف . وأفادت الآية الثانية : أن الله – سبحانه وتعالي – عين نصيب الوالدين  والأولاد والأقربين ، ولم يترك ذلك لمشيئة المورث .
   فالآيتان متعارضتان ، ولكن يمكن التوفيق بينهما ، بأن تحمل الآية الأولي على وجوب الوصية للوالدين والأقربين الذين لا يرثون لمنع كاختلاف الدين ، وتحمل الآية الثانية على الوارثين المذكورين فيها .
   ب – قوله – تعالي -:] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا[ وقوله – تعالي -:]وأولت الحمال أجلهن أن يضعن حملهن[ .
   ذهب بعض الفقهاء إلي أن الآية الثانية لم تنسخ الآية الأولي بالنسبة للحامل المتوفى عنها زوجها ، وعلى هذا وفق هؤلاء الفقهاء بين الآيتين وقالوا : تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين ، بمعني : أنها إذا وضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشرا من حين وفاة زوجها أتمت العدة أربعة أشهر وعشرا .
   وإن مضت هذه المدة ولم تلد استمرت في العدة إلي حين وضع الحمل .
الترجيح بقوة الدليل :
   فيرجح من الكتاب والسنة : النص على الظاهر :
   يعني إذا دل القرآن أو السنة على حكم من الأحكام نصا صريحا وجاء دليل آخر من الكتاب والسنة يدل على نقيض هذا الشيء ظاهرا لا نصا ، فنقدم النص .
   والفرق بين النص والظاهر هو أن « النص» لا يحتمل غير المنصوص عليه .
   و « الظاهر » يحتمل غيره ولكن مع الرجحان ، فالرجحان للظاهر فإن لم يكن الترجيح صار مجملا ولهذا يقدم .
   والظاهر على المؤول .
   و « الظاهر » هو الذي يدل على الشيء دلالة ظاهرة ، والآخر : يدل بتأويل ، فنقدم الظاهر .
   فمثلا لو قال : « لا نكاح إلا بولي » ظاهرة أن الولي شرط لصحة النكاح ، فإذا قال قائل : لا نكاح يتم إلا بولي ، وقال : هذا نفي للتمام والكمال ، فهذا خلاف الظاهر ، وهذا مؤول ، فنقدم الظاهر على المؤول ، وهذا في كيفية الاستدلال .
ويقدم المنطوق على المفهوم :
   « المنطوق » هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق .
   «المفهوم » : ما دل عليه اللفظ ، لا في محل النطق .
   ومثاله قوله - صلي الله عليه وسلم - : « إن الماء طهور لا ينجسه شيء» ، و «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس » ، فإذا وجد ماء كثير أصابته نجاسة ولم تغيره فهو طهور على كلا اللفظين ، لأنك أن أخذت بعموم الأول ، « المنطوق » « الماء طهور لا ينجسه شيء »، فهذا طهور أصابته نجاسة ولم تغيره فيكون طهورا ، وإن أخذت بالثاني : «إذا بلغ قلتين» ، فهذا قد بلغ قلتين ولم ينجس فيكون طهورا ، لكن إذا كان دون القلتين فأصابته نجاسة ولم يتغير ، فأيهما تقدم ؟
   عندنا الآن منطوق ومفهوم ، « المنطوق » : « الماء طهور لا ينجسه شيء » والمفهوم « إذا بلغ قلتين لم ينجس » فمفهومه : إذا لم يبلغ قلتين كان نجسا ، فتقدم المنطوق على المفهوم .
ويقدم المثبت على النافي :
   لأن المثبت معه زيادة علم ، والنافي قد ينفي الشيء لعدم علمه ،ومنها ما ذهب إليه الإمام أحمد – رحمه الله – في صيام عشر ذي الحجة حيث ورد عن النبي - صلي الله عليه وسلم - في ذلك حديثان :
   أحدهما : فيه نفي أن يكون الرسول - صلي الله عليه وسلم - صامها .
   والثاني : فيه إثبات أنه كان يصومها ؟ فأخذ الإمام أحمد – رحمه الله – بحديث المثبت ، وقال : إنه مثبت ، والمثبت مقدم على النافي.
   ويقدم الناقل عن الأصل على المبقي عليه ، لأن مع الناقل زيادة علم .
فإذا وجد دليلان :
   أحدهما : مبق على الأصل والثاني ناقل ن قدم الناقل عن الأصل، لأن الذي دل على الأصل بني على أصل ، وهو الوجود وذاك دل على شيء ناقل عن الأصل فمعه زيادة علم ، ومثلوا لذلك بحديث : « طلق بن على » وحديث : « بسره بنت صفوان » ، فحديث : « طلق بن على » : سئل النبي - صلي الله عليه وسلم - عن الرجل يمس ذكره في الصلاة هل عليه الوضوء ؟قال : « لا ، إنما بضعة منك »، وحديث « بسره » : « من مس ذكره فليتوضأ » وقالوا : عندنا حديثان أحدهما : مبق على الأصل ن والثاني : ناقل عن الأصل ، فقوله : « من مس ذكره فليتوضأ » ناقل عن الأصل ، لكن لما قال : الرجل يمس ذكره في صلاة ، هل عليه وضوء ؟ قال : « لا » فهذا مبق على الأصل، لن الأصل عدم النقض ، فرجح بعضهم حديث « بسره » لأنه ناقل عن الأصل .
   ولكن ذهب بعض العلماء إلي أن هذين الحديثين لا يجري فيهما باب الترجيح ، لإمكان الجمع ، والجمع بينهما سهل ، فالجمع بينهما له وجهان :
   الوجه الأول : أن يحمل حديث « طلق بن على » على نفي الوجوب ، وحديث « بسره » على إثبات الاستحباب ، ولا تعارض بين الوجوب والاستحباب .
   الوجه الثاني : أن يحمل حديث « طلق بن على » على ما إذا مسه لغير شهوة ، وحديث « بسره » على ما إذا مسه لشهوة، وهذا – أيضا – وجه حسن .
   ويقدم العام المحفوظ ( وهو الذي لم يخص ) على غير المحفوظ:
   فإذا تعارض عامان أحدهما محفوظ – ويعنون بالمحفوظ -:«الذي لم يدخله التخصيص » ، لأن دخول التخصيص على العام يثلمه .
   والعام إذا دخله التخصيص ضعف عمومه ، حتى إن بعض الأصوليين يقول : إنه إذا دخل التخصيص على العام بطلت دلالته على العموم .
فإذا تعارض عندنا دليلان عامان :
   أحدهما : محفوظ  لم يخصص .
   والثاني : غير محفوظ أي : أنه دخله التخصيص ، فنقدم المحفوظ لأن بقاءه على عمومه من غير تخصيص دليل على أنه محكم ، ودخول التخصيص على المعارض دليل على أن هذا الذي دخله التخصيص ليس بمحكم ، لأنه خص .
   مثال ذلك قول الرسول - صلي الله عليه وسلم - : « إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين » وقوله « لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس » فالآن عندنا عمومان ، الأول : عموم قوله - صلي الله عليه وسلم - : « إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين » يشمل كل وقت .
   والثاني : عموم قوله - صلي الله عليه وسلم - :« لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس »يشمل عموم كل صلاة ، فإذا دخل رجل المسجد بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس فحينئذ يقع التعارض ، فحديث : «لا يجلس حتى يصلي ركعتين » يقول : « صل » ، وحديث : « لا صلاة بعد الصبح » يقول : « لا تصل » ، فإذا كان عموم أأحدهما لم  يخصص في عمومه فهو محفوظ فيقدم ، فقوله : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين » هذا عام محفوظ ، ليس فيه استثناء فلم يستثن النبي - صلي الله عليه وسلم - منه شيئا إلا مسألة واحدة وهي دخول الخطيب يوم الجمعة فإنه لا يصلي ، وهذا يمكن أن يجاب عنه بأن الخطبة تعتبر كالمقدمة بين يدي الصلاة ، فهي مقدمة بين يدي الصلاة ، فكأن الرجل إذا دخل و خطب ثم نزل وصلي ، كأنه بدأ المسجد بالصلاة .
   وعلى كل حال ، فهذا الحديث ك «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين »لم يخصص إلا في هذا ، وخص – أيضا – لما إذا دخل الإنسان المسجد الحرام يريد الطواف ، ولا يصلي ركعتين ، وهذا – أيضا – يشرع له بعد الفراغ منه ركعتان خلف المقام .
   ونأتي لحديث : « لا صلاة بعد صلاة الصبح » نجد أن فيه حروفا أي : تخصيصات كثيرة منها :
   أولا : إذا صلي الإنسان ثم حضر مسجد جماعة فإنه يصلي ولو قبل طلوع الشمس .
   ثانيا : إذا طاف الإنسان في وقت النهي ، فإنه يصلي ركعتين خلف المقام وهذا أيضا تخصيص .
   ثالثا : إذا جمع الإنسان بين الظهر والعصر فإن سنة الظهر البعدية تصلي بعد العصر ، فهذا تخصيص .
 رابعا : إذا فاتت الإنسان صلاة مفروضة وذكرها في وقت النهي فإنه يصليها .
   ويقدم من الإجماع : القطعي على الظني .
   ويقدم من القياس : الجلي على الخفي .
 

عداد الزوار