تمهيـــد

علمُ القواعدِ الفقهيةِ من العلومِ الشرعيةِ المهمةِ التي تكشفُ لطالبِ العلمِ السبيلَ القويمَ لضبطِ المسائلِ وتكوينِ المَلَكَةِ وتكييفِ النوازلِ، ولهذا عَظُمَتِ العنايةُ بهذا العلمِ الشريفِ من قِبَلِ العلماءِ فقرَّرُوا مسائلَه بكلِّ سبيلٍ نظمًا ونثرًا، رغبةً في ضبطِه وتيسيرِه، والإحاطةِ به وتفسيره. 

قال الإمامُ القرافيُّ: وهذه القواعدُ مهمةٌ في الفقهِ عظيمةُ النفعِ، بقدرِ الإحاطةِ بها يعْلُو قَدْرُ الفقيهِ ويَشْرُفُ، وَيْظْهرُ روْنقُ الفقهِ وَيُعْرَفُ، وتتضحُ مناهجُ الفتاوى وتُكشف...ومن ضَبَطَ الفقهَ بقواعدِه استغنى عن حفظِ أكثرِ الجزئياتِ؛ لاندراجِها في الكلياتِ... (1). 

واستهلَّ الإمامُ الزركشيُّ الشافعيُّ كتابَه: (المنثورُ في القواعدِ) بقوله: وهذه قواعدُ تَضْبِطُ للفقيه أصولَ المذهبِ، وتُطْلِعُهُ من مأخذِ الفقهِ على نهايةِ المطلبِ (2). 
وَاسْتَهَلَّ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ كتابَه الشهير بقوله: أما بعدُ، فهذه قواعدُ مهمةٌ وفوائدُ جَمَّةٌ،
تضبطُ للفقيهِ أصولَ المذهبِ، وتُطلعه من مآخذِ الفقهِ على ما كان عنه قد تَغَيَّبَ، وتنظمُ له
منثورَ المسائلِ في سِلْكٍ وَاحِدٍ، وتُقيِّدُ له الشواردَ، وَتُقَرِّبُ عليه كُلَّ مُتَبَاعِدٍ...(3). 


وقبلَ أن نشرعَ في مقصودِنا من هذا الكتاب نودُّ أن نقدمَ بمقدمةٍ تمهيديةٍ تتناولُ نُبَذًا ومقدماتٍ
عن هذا الفنِّ الجليلِ، فنتناولُ فيها الكلام على تعريفِ هذا الفن، ثم الكلامَ على نشأةِ هذا الفنِّ، وأهم ما دُوِّنَ فيه على اختلافِ المذاهبِ الفقهيةِ.


معنَى القاعدةِ لغةً واصطلاحًا:
القاعدةُ في اللغةِ كما قال الراغبُ الأصفهانيُّ في مفرداتِ القرآنِ: هي الأساسُ.
وقال ابنُ منظورٍ في لسانِ العربِ: القاعدةُ: أصلُ الأُسِّ، و(القواعدُ): الأَسَاسُ( 4).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]؛ وفيه: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: 26]؛ قال الزجاجُ: القواعدُ: أساطينُ البناءِ التي تعْمِده( 5). 
 فالقاعدةُ معناها لغةً: الأساسُ، وهي أصلُ الشيءِ الذي يُبْنَى عليه حِسِّيًّا كان أو مَعْنَوِيًّا. 

فالحسيُّ: كقواعدِ البيتِ، وهي أركانُه التي يُبْنَى عليها. 
والمعنويُّ: كقواعدِ الدينِ، أي: أسسُ الدِّينِ( 6). 

 وقد رَاعَى الأصوليونَ في تعاريفِهم للقاعدةِ عدةَ اعتباراتٍ، فجاءت تعاريفُهم متعددةً لكنها متقاربةٌ؛ فبعضُهم رَاعَى في التعريفِ أنها جامعةٌ لمَا تَحْتَهَا من فروعٍ، ولم يضع في اعتبارِه ما شذّ عنها بوصفِه نادرًا، والنادرُ لا حكمَ له، وبعضُهم راعى فيها الأكثريةَ بمعنى أنها مبنيةٌ على الأكثرِ، باعتبارِ أن لكل قاعدةٍ مستثنياتٍ ربما تكونُ كثيرةً نسبيًّا وليست نادرةً.

فقد عَرَّفَهَا الجرجانيُّ بأنها: قضيةٌ كليةٌ منطبقةٌ على جميعِ جزئياتها( 7)
وَعَرَّفَهَا التفتازانيُّ في التلويحِ: بأنها حكمٌ كليٌّ ينطبقُ على جزئياتِه ليتعرفَ أحكامَها منه(8).
وقد عَرَّفَهَا كثيرٌ من الأصوليينَ بما يقاربُ تعريفَ الجرجانيِّ والتفتازانيِّ وهذا الاصطلاحُ
جرى في جميعِ العلومِ؛ فإن لكل علمٍ قواعدَ تندرجُ تحتَها جميعُ جزئياتها بِغَضِّ النظرِ عما شَذَّ.
وأما الذين رَاعَوْا في القاعدة ما يُسْتَثْنَي منها فقد عَرَّفُوهَا بتعريفٍ آخَرَ يدلُّ على ذلك،
بحيثُ يكونُ الحكمُ فيها مبنيًّا على المجموعِ لا على الجميعِ، أي الأكثرِ لا على الكل.
ومن أولئك الذين أَخَذُوا في اعتبارِهم هذه المستثنياتِ عندَ تعريفِ القاعدةِ الشيخُ تاجُ الدينِ السبكيُّ -رحمه الله- فقد قال في تعريفِها: هي الأمرُ الكليُّ الذي ينطبقُ على جزئياتٍ كثيرةٍ تُفْهَمُ أحكامُها منه(9).

ويقول الحمويُّ شارحُ الأشباهِ والنظائرِ لابنِ نجيمٍ: إن القاعدةَ هي عندَ الفقهاءِ غيرها عندَ النحاةِ والأصوليينَ، إذ هي عندَ الفقهاءِ حكمٌ أَكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ ينطبقُ على أكثرِ جزئياتِه لِتُعْرَفَ أحكامُها (10).

وعلى هذا فالقاعدةُ تتسمُ بأنها قولٌ موجزٌ بليغٌ في قضيةٍ كليةٍ تندرجُ تحتَها أكثرُ جزئياتِها يتعرفُ من خلالها على أحكامِ ما لا ينحصرُ منها.
فالفروعُ التي تندرجُ تحتَها في ازديادٍ مستمرٍّ بحسب متطلباتِ العصرِ، ومقتضياتِ الأحوالِ والظروفِ والملابساتِ، بحيث تُلَبِّي القاعدةُ حاجةَ الفقيهِ في التعرفِ بسهولةٍ على حكمِ اللهِ
فيما جَدَّ وَيَجِدُّ من الجزئياتِ المندرجةِ تحتَ القاعدةِ 
إذ ما من صغيرةٍ ولا كبيرةٍ يحتاجُ إليها الناسُ في شئونِ دينِهم ودنياهم إلا شَمِلَهَا هذا التشريعُ الحكيمُ، وَوَسِعَهَا بيانُه.
وقد بُنِيَتِ القواعدُ الفقهيةُ على الإيجازِ البليغِ لِتُحْفَظَ، وكلما كانت أوجزَ في العبارةِ وأبلغَ في الدلالةِ وَجَدَ الفقيهُ يُسْرًا في استيعابِها وَحِفْظِهَا.

 فالقواعدُ الفقهيةُ: أصولٌ كُلِّيَّةٌ في نصوصٍ موجزةٍ دستوريةٍ تتضمنُ أحكامًا تشريعيةً عامةً في الحوادثِ التي تدخلُ تحتَ موضوعِها. 
فهي تمتازُ بمزيدِ الإيجازِ في صياغتِها، على عمومِ معناها وَسِعَةِ استيعابِه للفروعِ الجزئيةِ. 
فتُصَاغُ القاعدةُ بكلمتينِ أو ببضعِ كلماتٍ مُحْكَمَةٍ من ألفاظِ العمومِ (11). 
والقواعدُ الفقهيةُ دلالتُها علي الأحكامِ أغلبيةٌ؛ فقد يخرجُ عنها بعضُ المسائلِ، ولقد قَرَّرَ الأصوليونَ أن القاعدةَ الفقهيةَ لا تصلُح أن تكون دليلاً عندَ وجودِ نصٍّ فقهيٍّ يُمكن الاستنادُ إليه، فأما إذا كانت الحادثةُ لا يُوجد فيها نَصٌّ فقهيٌّ أصلاً لعدمِ تعرضِ الفقهاءِ لها، وُوجدت القاعدةُ التي تشملها، فيُمكن عندئذٍ استنادُ الفتوى والقضاءُ إليها، اللهم إلا إذا قُطِعَ أوْ ظُنَّ فرقٌ بينَ ما اشتملت عليه القاعدةُ وهذه المسألةِ الجديدةِ. اهـ (12). 

الفرقُ بينَ القاعدةِ الفقهيةِ والضابطِ الفقهيِّ
جاء في حاشيةِ البنانيِّ: والقاعدةُ لا تختصُّ ببابٍ بخلافِ الضَّابِطِ  (13). 
وكذلك العَلَّامَةُ ابنُ نجيمٍ يميلُ إلى هذا الفرقِ بينَ القاعدةِ والضابطِ فيقول في الفنِّ الثاني من الأشباهِ: الفرقُ بينَ الضابطِ والقاعدةِ أن القاعدةَ تجمعُ فروعًا من أبوابٍ شَتَّى، والضابطُ يجمعها من بابٍ واحدٍ، هذا هو الأصلُ  (14).
ويذهب السيوطيُّ إلى ما ذهب إليه البنانيُّ وابن نجيمٍ، فيقول في الفن الثاني من كتابِه:  (الأشباه والنظائر) 
في النحو: القاعدةُ تجمعُ فروعًا من أبوابٍ شَتَّى، والضابطُ يجمعُ فروعَ بابٍ واحدٍ  (15).

ومن الفقهاءِ مَنْ لا يفرقُ بينَ القاعدةِ والضابطِ بل يخلطُ بينَهما في مصنفاتِه، وهذا أمرٌ يُتْعِبُ الباحثينَ في البحثِ عن الضوابطِ في أبوابِها الخاصةِ بها على كثرةِ ما في هذه الأبوابِ من خلافٍ مَذْهَبِيٍّ، وهو أمرٌ آخَرُ يضيفُ على الباحثِ عبءَ الرجوعِ إلى كُلِّ مذهبٍ في مَظَانِّهِ.
وإليكَ نماذجَ تزيدكَ إيضاحًا في تمييزِ الضابطِ من القاعدةِ.


أمثلةٌ توضحُ الفرقَ بينَ القاعدةِ والضابطِ:

 (أ) ما رواه عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»(16).
فهذا الحديثُ يمثلُ ضابطًا فقهيًّا في موضوعِه وهو الطهارةُ، يُغَطِّي بابًا مخصوصا من أبوابِها.
ودباغُ الجلدِ لِمَنْعِهِ من الفسادِ، وقد رُوِيَ عن إبراهيمَ النخعيِّ ما يدل على ذلك وهو قوله: «كُلُّ شيءٍ مَنَعَ الجلدَ من الفسادِ فهو دباغٌ»(17).
فالحديثُ ضابطٌ للحكم، والأثرُ المرويُّ عن النخعي ضابطٌ لحقيقةِ الدباغِ وبيانٌ له.

(ب) ومن الضوابطِ قولُ الفقهاءِ: «الماءُ طَهُورٌ ما لم يتغير لونُه أو طعمُه أو ريحُه بشيءٍ خَالَطَهُ
ولم يكن مما يصعبُ فَصْلُهُ عنه». وهذا الضابطُ شائعٌ في كتبِ المالكيةِ أَكْثَرَ من غيرها.

(جـ) ومن الضوابطِ قولهم: «كُلُّ صلاةٍ بَطَلَتْ على الإمامِ بَطَلَتْ على المأمومِ إلا في سَبْقِ الحَدَثِ والنسيانِ».

 (د) ومن الضوابطِ ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهما عن حكيمِ بنِ حزامٍ رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
فكلُّ مثالٍ من هذه الأمثلةِ يختصُّ ببابٍ مُعَيَّنٍ، وليست هي في مرتبةِ القواعدِ التي تجمعُ فروعًا مختلفةً من أبوابٍ شَتَّى.

 ومثالُ القاعدةِ:
(أ) قولُهم: «الأمورُ بمقاصدِها».

(ب) «اليقينُ لا يزولُ بالشكِّ».
(جـ) «الضروراتُ تبيحُ المحظوراتِ».
(د) «المشقةُ تجلبُ التيسيرَ». إلى آخِرِ ما سيطالعُك في هذا الكتابِ.

ومما سبق يتضحُ لنا أن القواعدَ أعمُّ من الضوابطِ؛ لأن القاعدةَ تشملُ أبوابًا كثيرةً من أبوابِ الفقهِ، والضابطُ يختصُّ ببابٍ واحدٍ من أبوابِه.

 الفرقُ بينَ القاعدةِ الفقهيةِ والنظريةِ الفقهيةِ:
النظريةُ مشتقةٌ من النَّظَرِ، وهو في اللغةِ: تَأَمُّلُ الشيءِ بالعينِ أو بالعقلِ أَوْ بِهِمَا معًا.
والنظريةُ العلميةُ: قضيةٌ تَثْبُتُ بالبرهانِ، وجمعُها: نظرياتٌ، وهي: عبارةٌ عن طائفةٍ من الآراء تُفَسَّرُ بها بعضُ الوقائعِ العلميةِ أو الفنيةِ، أو هي: «جملةُ تصوراتٍ مؤلفةٍ تأليفًا عقليًّا تهدفُ إلى ربطِ النتائجِ بالمقدماتِ» هذا هو معنَى النظريةِ بوجهٍ عَامٍّ.

أما النظريةُ الفقهيةُ فإنها أعمُّ من القاعدةِ وأشملُ، فهي عبارةٌ عن موضوعاتٍ فقهيةٍ لها أركانٌ وشروطٌ وتجمعُ بينها روابطُ فقهيةٌ تجمعُها وحدةٌ موضوعيةٌ تحكم عناصرَها جميعًا.

وذلك كنظريةِ الملكيةِ، ونظريةِ العقدِ، ونظريةِ الإثباتِ وما أَشْبَهَ ذلك.
فمثلًا نظريةُ الإثباتِ في الفقهِ الجنائيِّ الإسلاميِّ تَأَلَّفَتْ من عدةِ عناصرَ
وهي المواضيعُ التاليةُ:

حقيقةُ الإثباتِ- الشهادةُ- شروطُ الشهادةِ- كيفيةُ الشهادةِ- الرجوعُ عن الشهادةِ- مسئوليةُ الشاهدِ- الإقرارُ- القرائنُ- الخبرةُ- معلوماتُ القاضي- الكتابةُ- اليمينُ- القَسَامَةُ- اللِّعَانُ.

فهذا مثالٌ للمنهجِ الجديدِ الذي يَسْلُكُهُ المؤلفونَ في النظرياتِ العامةِ في تكوينِها؛ إِذْ كلُّ موضوعٍ عنصرٌ من عناصرِ هذه النظريةِ، وتندرجُ تحتَه فصولٌ، والرابطُ بينها علاقةٌ فقهيةٌ خاصةٌ.

ومن هذا البيانِ يتضحُ لنا الفرقُ بينَ القاعدةِ والنظريةِ، فالقواعدُ الفقهيةُ من النظرياتِ الفقهيةِ بمنزلةِ الضوابطِ.

 فقاعدةُ: «العبرةُ في العقودِ للمقاصدِ والمعانِي» مثلًا ليست سوى ضابطٍ في ناحيةٍ مخصوصةٍ من أصلِ نظريةِ العقدِ، وهكذا سِوَاهَا من القواعدِ.
والنظرياتُ الفقهيةُ تندرجُ تحتَها القواعدُ الفقهيةُ، فتكونُ لها بمنزلةِ الجزءِ من الكلِّ، وَقَدْ تصلحُ النظريةُ قاعدةً كبرى لنظرياتٍ كثيرةٍ يجمعُها رابطٌ، مثل نظريةِ الضرورةِ، فإن تحتَها قواعدَ كثيرةً، ونظرية العُرْفِ تندرجُ تحتَها قواعدُ كثيرةٌ سيأتي ذِكْرُهَا.

 وقد رأينا كثيرًا من الفقهاءِ في العصورِ الماضيةِ لا يُفَرِّقُونَ بينَ القواعدِ الفقهيةِ والنظرياتِ الفقهيةِ، ولكن لما اخْتَلَطَ رجالُ الفقهِ الإسلاميِّ برجالِ القانونِ اكْتَسَبُوا منهم هذه الخبرةَ في التنويعِ والتقسيمِ والتحليلِ، فَسَلَكُوا مَسْلَكَهُمْ في تأصيلِ الفقهِ الإسلاميِّ وتقنينِه على نحوٍ يشبهُ ما فَعَلَهُ رجالُ القانونِ الوضعيِّ؛ ليثبتوا لهم وللعالَم كُلِّهِ أن الفقهَ الإسلاميَّ غَنِيٌّ كُلَّ الغِنَى بقواعدِه وضوابطِه، وقوانينِه ولوائحِه، وأن التشريعَ الإسلاميَّ يصلحُ للتقنينِ والتطبيقِ في كلِّ زمان ومكانٍ دونَ أن يتعارضَ مع المصالحِ العامةِ.

 الفرقُ بينَ القاعدةِ الفقهيةِ والقاعدةِ الأصوليةِ:
يصعبُ على كثيرٍ من الدارسينَ التمييزُ بينَ القواعدِ الأصوليةِ والقواعدِ الفقهيةِ، فيخلطونَ بينَهما في كُتُبِهِمْ؛ لما بينَهما من تَدَاخُلٍ وَتَشَابُهٍ.
ونستطيعُ أن نميزَ بينَهما من ثلاثةِ وُجُوهٍ:

 الأولُ: أن علمَ أصولِ الفقهِ يُعْنَى بالنظرِ في مصادرِ الأحكامِ وحجتِها ومراتبها في الاستدلالِ بها، وشروطِ هذا الاستدلالِ، ويضعُ مناهجَ الاستنباطِ والقواعدَ المُعِينَةَ على ذلك.
فعلمُ الأصولِ بالنسبةِ للفقهِ ميزانٌ ضابطٌ للاستنباطِ الصحيحِ من غيرِه، وقواعدُ هذا العلمِ وَسَطٌ بينَ الأدلةِ والأحكامِ، فهي التي يُسْتَنْبَطُ بها الحكمُ من الدليلِ التفصيليِّ، وموضوعُها دائمًا الدليلُ والحكمُ، كقولك: الأمرُ للوجوبِ ما لم تَصْرِفْهُ قَرِينَةٌ، والنهيُ للتحريمِ ما لم تصرفه قرينةٌ، والواجبُ المخيرُ يخرج المكلف عن العهدة فيه بفعلِ واحدٍ مما خُيِّرَ فيه، والحكمُ يدورُ مع علتِه وجودًا وَعَدَمًا. إلى آخِرِ ما هنالك من القواعدِ التي يلتزمُها المجتهدُ عندَ استنباطِ الأحكامِ وتقريرِها.

 أما القواعدُ الفقهيةُ فهي قضايا كليةٌ أو أكثريةٌ، جزئياتُها بعضُ مسائلِ الفقهِ، وموضوعُها دائمًا هو فعلُ المكلفِ.
وهذا الوجهُ هو أهمُّ الوجوهِ الفارقةِ بينَ أصولِ الفقهِ وقواعدِ الفقهِ.

 الوجهُ الثاني: أن القواعدَ الأصوليةَ قواعدُ كليةٌ تنطبقُ على جميعِ جزئياتِها وموضوعاتِها.
أما القواعدُ الفقهيةُ: فإنها أكثريةٌ لها مستثنياتٌ تقل في بعضها وتكثرُ في بعضها.

 الوجهُ الثالثُ: أن القواعدَ الفقهيةَ مبنيةٌ على قواعدِ الأصولِ؛ وذلك لأن الأصوليَّ يستنبطُ الأحكامَ من أدلتِها التفصيليةِ وَفْقَ قواعدَ يقينيةٍ لا يختلفُ عليها اثنانِ، ثم يقومُ الفقيهُ بتحصيلِ المسائلِ الفقهيةِ من هذه القواعدِ الأصوليةِ وَيُقَسِّمُهَا إلى أبوابٍ وفصولٍ، ثم يجعلُ لكلِّ بابٍ ضوابطَ تجمعُ شتاتَ مسائلِه لاشتراكِها جميعًا في العلةِ، ويضعُ القواعدَ للأبوابِ المختلفةِ لكي يستعينَ بها الدارسونَ لإعطاء كلِّ مسألةٍ من المسائل الشرعيةِ حكمَها اللائقَ بها.
ومن هذه القواعدِ الفقهيةِ ما هو مُتَّفَقٌ عليه، ومنها ما هو مختلفٌ فيه، ومنها ما هو كُلِّيٌّ ليس له مستثنياتٌ، ومنها ما له مستثنياتٌ.

 معنَى الأشباهِ والنظائرِ والفَرْق بينَهما:
يقول علماءُ اللغةِ: الشَّبَهُ والشِّبْهُ والشَّبيهُ كالمَثَلِ والمِثْلِ والمثيلِ في المعنَى، والنظيرُ أيضًا كالمثيلِ، والشبه يُجمع على أشباهٍ، والنظيرُ يُجمع على نظائرَ.
ولكن الأصوليينَ يرون أن للأشباهِ معنًى يخالفُ معنَى الأمثالِ، فيقولونَ: الشبيهُ عندَنا غيرُ المثيلِ، وَيَرَوْنَ أن النظائرَ غيرُ الأشباهِ من بعضِ الوجوهِ، وَلَكِنْ يُطلق النظيرُ أحيانًا على الشبيهِ، ويُطلق الشبيهُ على النظيرِ عندَ الافتراقِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا كان لكلِّ واحدٍ منهما معنًى يَخُصُّهُ، فهو من قبيلِ قولهما: «اثنانِ إذا اجتمعَا افْتَرَقَا وإذا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا». كالفقيرِ والمسكينِ، والذنبِ والسيئةِ، والسوءِ والفاحشةِ، والبِرِّ والإحسانِ، ونحوِ ذلك.

 فهذا هو الإمامُ السيوطيُّ يذكر في كتابِ الحاوي للفتاوى الفرقَ بينَ المثيلِ والشبيهِ والنظيرِ، فيقولُ ما خلاصتُه: «المثيلُ أخصُّ الثلاثةِ، والشبيهُ أعمُّ من المثيلِ وأخصُّ من النظيرِ، والنظيرُ أعمُّ من الشبيهِ. وبيانُ ذلك أن المماثلةَ تستلزمُ المشابهةَ وزيادةً، والمشابهةَ لا تستلزمُ المماثلةَ. فلا يلزمُ أن يكونَ شبهُ الشيءِ مُمَاثِلًا له. والنظيرُ قد لا يكونُ مُتَشَابِهًا.
وحاصلُ هذا الفرقِ أن المماثلةَ تقتضي المساواةَ من كُلِّ وَجْهٍ، والمشابهةُ تقتضي الاشتراكَ في أكثرِ الوجوهِ لا كُلِّهَا، والمناظرةُ تَكْفِي في بعضِ الوجوهِ ولو في وجهٍ واحدٍ، يقال: هذا نظيرُ هذا في كذا، وإن خَالَفَهُ في سائرِ جهاتِه…
وأما اللغويون فإنهم جعلوا المثيلَ والشبيهَ والنظيرَ بمعنًى واحدٍ…»(18).
وهذا ما سَجَّلَهُ العلامةُ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ المكيُّ أيضًا في الفتاوى الحديثيةِ( 19).
ومعنَى هذا: أن النظيرَ إذا أُطْلِقَ قد يُرَادُ به الشبهُ، لكن إذا جُمِعَ مع الشبهِ ينبغي أن يكونَ لكلٍّ منهما معنًى يخصُّه كما أَشَرْتُ من قَبْلُ.

 الفرقُ بينَ الأشباهِ والنظائرِ والفروقِ الفقهيةِ:
المسائلُ الفقهيةُ إذا تَشَابَهَتْ أو تَنَاظَرَتْ انْدَرَجَتْ تحتَ حكمٍ واحدٍ، لاشتراكِها في العلةِ أو في وَصْفٍ جامعٍ لها، كقياسِ جميعِ المسكراتِ على الخمرِ، ولكن أحيانًا يكونُ بينَ هذه المسائلِ المتشابهةِ فروقٌ دقيقةٌ، وَعِلَلٌ خفيةٌ تجعلُ بعضَها منفصلًا عن بعضٍ فلا تأخذ المسألةُ حكمَ الأخرى؛ لضعفِ التشابهِ بينَهما. وعلى هذا نستطيعُ أن نُعَرِّفَ الفروقَ الفقهيةَ
بأنها: «المسائلُ الشرعيةُ المتشابهةُ في صُوَرِهَا مع اختلافِ أحكامِها لِعِلَلٍ أَوْجَبَتْ ذلك».

فكلُّ فَرْقٍ بينَ مسألتينِ مؤثرٌ ما لم يَغْلِبْ على الظنِّ أن الجامعَ أَظْهَرُ.
ولا يُكْتَفَى بالخيالاتِ في الفروقِ، بل إن كان اجتماعُ مسألتينِ أظهرَ في الظنِّ من افتراقهما وَجَبَ القضاءُ باجتماعهما وإن انْقَدَحَ فرقٌ على بُعْدٍ.
والبحثُ عن الفروقِ الدقيقةِ والعللِ الخفيةِ فَنٌّ بديعٌ، لا يَقْدِرُ على ممارستِه إلا مَنْ أُوتِيَ موهبةً فذةً في الفكرِ، وعلمًا غزيرًا في اللغةِ، وفقهًا واسعًا في الدينِ، وَمَلَكَةً خاصةً في إدراكِ تلك الفروقِ على خَفَائِهَا وَدِقَّتِهَا.

ووظيفةُ هذا الفنِّ: إظهارُ المسائلِ بوضوحٍ، وكشفُ النقابِ عن الاختلافِ في الحكمِ والمَنَاطِ(20) في المسائلِ المتشابهةِ من حيثُ الصورةُ، أو المسائلِ المتقاربِ بعضِها من بعضٍ حيث يتضحُ بذلك للفقيهِ طُرُقُ الأحكامِ، ويكونُ قياسُه للفروعِ على الأصولِ مُتَّسِقَ النظامِ.

 لمحاتٌ تاريخيةٌ عن نشأةِ القواعدِ الفقهيةِ وَارْتِقَائِهَا:
نَشَأَتِ القواعدُ الفقهيةُ بنشأةِ التشريعِ الإسلاميِّ، فقد نزل القرآنُ الكريمُ يتضمنُ الكثيرَ والكثيرَ
من هذه القواعدِ التي ما زَادَ الفقهاءُ عليها إلا بالقَدْرِ الذي يوضحُ معناها، ويكشفُ عن كيفيةِ استعمالها في استخراجِ الفروعِ الفقهيةِ منها.

وقد أُوتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جوامعَ الكَلِمِ فكان يؤدي المعانيَ الكثيرةَ بألفاظٍ قليلةٍ غايةً في الدقةِ والرقةِ، فجاءت على لسانِه قواعدُ فقهيةٌ أَخَذَهَا الفقهاءُ كما هي، وما زَادُوا عليها إلا بالمقدارِ الذي يَزِيدُهَا إيضاحًا، أو يكشفُ عَمَّا فيها من اللطائفِ التي لا يَعْقِلُهَا إلا العَالِمُونَ.

 وقد تَعَلَّمَ أصحابُ النبيِّ ﷺ من نبيِّهم الإيجازَ البليغَ في عملِ قاعدةِ القواعدِ وتأصيلِ الأصولِ، ولا سيما الخلفاءُ الراشدونَ وأصحابُه المقربونَ، كعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَأُبَيِّ بنِ كعبٍ وغيرِهم، فقد كانوا ينطقونَ بالحكمةِ، فَيُنْقَلُ عنهم من الكلامِ ما يكونُ قواعدَ فقهيةً يقاسُ عليها أو يُسْتَأْنَسُ بها في التصحيحِ والترجيحِ.
وقد اعتنى التابعونَ باستنباطِ القواعدِ الفقهيةِ من القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ وأقوالِ الصحابةِ، فقاموا باستنباطِها وَجَمْعِهَا وتدوينِها في كتبٍ، بعضُها وَصَلَ إلينا، وبعضُها لم يَصِلْ إلينا.
ولعل أولَ كتابٍ وَصَلَ إلينا منها هو كتابُ «الخَرَاجِ» لأبي يوسفَ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ (ت182هـ)، فقد تَضَمَّنَ هذا الكتابُ كثيرًا من قواعدِ الفقهِ، صَاغَهَا بأسلوبٍ حكيمٍ، وَشَرَحَهَا وَبَيَّنَ خلافَ العلماءِ في بعضِ مسائلِها وفروعِها.
ومنها كتابُ «الأصلِ» لمحمدِ بنِ الحسنِ الشيبانيِّ (ت 189هـ).
ومنها كتابُ «الأُمِّ» لمحمدِ بنِ إدريسَ الشافعيِّ (ت 204هـ)، وهو كتابٌ فقهيٌّ نفيسٌ قد احتوى على كثيرٍ من القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، شأنُه في ذلك شأنُ مَنْ سَبَقَهُ من المؤلفينَ والباحثينَ
في فقه الشريعةِ الإسلاميةِ، فقد كانوا يُرَاعُونَ عندَ بسطِ الأحكامِ الأصولَ التي تُبْنَى عليها،
ويجدونَ أنفسَهم في حاجةٍ إلى جَمْعِ ما يمكنُ جَمْعُهُ تحتَ قواعدَ أو ضوابطَ كليةٍ رغبةً في الإيجازِ؛ فإن الإيجازَ ضربٌ من الحكمةِ، ومن شأنِ الحكمةِ أن تضعَ الأمورَ في موضِعِها،
وَتَرُدَّ الفروعَ إلى أصولِها، وتقيسَ الشبيهَ على شَبِيهِهِ والنظير َعلى نَظِيرِهِ، وَمِنْ شأنِ الكلامِ الحكيمِ أن يُحفْظَ، وأن يتناقلَه الناسُ فيما بينَهم بسهولةٍ وَيُسْرٍ جيلًا بَعْدَ جِيلٍ.

فلا غَرْوَ أن تكونَ قواعدُ الفقهِ وضوابطُه وقواعدُ الأصولِ وضوابطُه وقواعدُ سائرِ العلومِ وضوابطُها مقاييسَ صادقةً وموازينَ دقيقةً لضبطِ كُلِّ ما جَدَّ وَيَجِدُّ من المسائلِ العلميةِ التي تتطلبُ حُكْمًا من الأحكامِ.
وكان الفقهاءُ مِنْ أَسْبَقِ الناسِ في ميدانِ التقعيدِ والتأصيلِ؛ لأن عِلْمَ الفقهِ مِنْ أسبقِ العلومِ وَأَجْمَعِهَا وَأَدَقِّهَا مأخذًا ومنهجًا. وَمَنْ مَارَسَ الفقهَ وَدَرَسَ أصولَه وقواعدَه أَيْقَنَ بذلك.

 وخلاصةُ القولِ أن قواعدَ الفقهِ وضوابطَه وقواعدَ أصولِ الفقهِ أيضًا وضوابطَه تُرَدُّ في جُمْلَتِهَا إلى القرآنِ الكريمِ، وَالسُّنَّةِ المطهرةِ. وَيُرَدُّ بعضُها إلى القياسِ الصحيحِ، والاستقراءِ التامِّ والواقعِ المُشَاهَدِ، وغيرِ ذلك مما يدورُ في فَلَكِ القرآنِ وَالسُّنَّةِ ولا يخرجُ عنهما قيدَ شَعْرَةٍ. وهذه القواعدُ الفقهيةُ منها ما هو مُتَّفَقٌ عليه، ومنها ما هو مختلفٌ فيه لأسبابٍ دَعَتْ إلى هذا الخلافِ، وما اتُّفِقَ عليه أكثرُ مما اخْتُلِفَ فيه.
وقد وَضَعَ أصحابُ المذاهبِ كُتُبًا في قواعدِ الفقهِ وضوابطِه وَفْقَ ما انتهى إليه علمُهم وَاسْتَقَرَّ عليه تأويلُهم سأذكر بعضَها فيما يلي.

 أَهَمُّ المصنفاتِ في القواعدِ الفقهيةِ عندَ المذاهبِ الأربعةِ:

أَوَّلًا: من مصادرِ الحنفيةِ:

اهتم الحنفيةُ بتقعيدِ القواعدِ أكثرَ من غيرِهم؛ لأنهم مِنْ أَسْبَقِ المذاهبِ ظهورًا؛ ولأنهم مِنْ أَكْثَرِ المذاهبِ استعمالًا للقياسِ وافتراضًا للمسائلِ، وتفريعًا للفروعِ، فاحتاجوا إلى وضعِ قواعدَ كليةٍ وأصولٍ جامعةٍ لهذه الفروعِ التي خَاضُوا فيها.
1- ولعلَّ أولَ رسالةٍ في قواعدِ الفقهِ عندَ الحنفيةِ هي تلك الرسالةُ اللطيفةُ التي عُرِفَتْ بِاسْمِ «الأَصْل» للإمامِ عبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ بنِ دلال الكرخيِّ المُتَوَفَّى سنةَ 340 هجرية.
وفيها سِتٌّ وثلاثونَ قاعدةً بدأ كُلَّ قاعدةٍ منها بعنوانِ: الأصل.

 2- «تَأْسِيسُ النَّظَرِ» لعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ عيسى القاضِي أبي زيدٍ الدَّبُّوسِيِّ المتوفَّى سنةَ 430هـ، نسبةً إلى الدبوسيةِ، وهي بُلَيْدَةٌ بينَ بُخَارَى وسمرقند.
إن هذا الكتابَ يُعَدُّ من أَنْفَسِ ما أَلَّفَهُ الفقهاءُ في بدايةِ القرنِ الخامسِ الهجريِّ. وموضوعُ الكتابِ في ذاتِه بيانُ سِرِّ مَنْشَأِ الخلافِ بينَ الفقهاءِ.
فهو أولُ كتابٍ ظَهَرَ في الفقهِ المقارَن قبلَ أن يكونَ أولَ كتابٍ في القواعدِ الفقهيةِ.

 3- «الأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ» لزينِ الدينِ بنِ إبراهيمَ بنِ محمدٍ الشهيرِ بابنِ نُجَيْمٍ الحنفيِّ المصريِّ المتوفَّى سنةَ 970 هجرية، وهو مِنْ أَشْهَرِ كُتُبِ القواعدِ الفقهيةِ، وهو قرينٌ لكتابِ العلامةِ السيوطيِّ «الأشباه والنظائر» في اسمِه وشهرتِه وخصائصِه.
وقد شَرَحَهُ الشيخُ شرفُ الدينِ عبدُ القادرِ بنُ بركاتِ بنِ إبراهيمَ الغَزِّيِّ- في كتابٍ سَمَّاهُ
«تنويرُ البصائرِ على الأشباهِ والنظائرِ»- المتوفَّى سنةَ 1005 هجرية.

وَشَرَحَهُ أيضًا أحمدُ بنُ محمدٍ الحمويُّ المتوفَّى سنةَ 1098 هجرية في كتابٍ سَمَّاهُ
«غَمْزُ عيونِ البصائرِ شرحُ الأشباهِ والنظائرِ».

 4- «خاتمةُ مجامعِ الحقائقِ» للشيخِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ مصطفَى الخادميِّ المُكَنَّى بأبي سعيدٍ، المتوفَّى سنةَ 1176 هجرية.
فقد وَضَعَ المؤلفُ مَتْنًا مُرَكَّزًا في أصولِ الفقهِ وَأَسْمَاهُ بـ «مجامعِ الحقائقِ»، وَخَتَمَهُ بخاتمةٍ جَمَعَ فيها مجموعةً من القواعدِ الفقهيةِ، قَدَّمَهَا المؤلفُ دونَ شرحٍ وتعليقٍ، وَرَتَّبَهَا على حروفِ المعجمِ وفقَ الحرفِ الأولِ من كل قاعدةٍ، فَبَلَغَتْ تقريبًا مائةً وأربعًا وخمسينَ قاعدةً.
وقد أَخَذَ المؤلفُ معظمَ هذه القواعدِ من ابنِ نجيمٍ وغيرِه ممن سَبَقَهُ وَعَاصَرَهُ.
وقد شرح هذه القواعدَ مصطفى كوزل حصاري المتوفَّى سنةَ 1215هـ في كتابٍ أَسْمَاهُ «منافعُ الدقائقِ شرحُ مجامعِ الحقائقِ». 

5- قواعدُ «مجلةِ الأحكامِ العدليةِ» تأليفُ لجنةٍ من علماءِ الدولةِ العثمانيةِ، وقد ظَهَرَتْ في السادسِ والعشرينَ من شهرِ شعبانَ من عامِ 1292 هجرية، في عهدِ السلطانِ الغازي عبدِ العزيزِ خان العثماني، وجاءت هذه المجلةُ موسوعةً فقهيةً في أحكامِ المعاملاتِ، وَصِيغَتْ أحكامُها في موادَّ على غرارِ موادِّ القوانينِ الوضعيةِ، وقد بَلَغَتْ مَوَادُّهَا ألفًا وثمانمائة وإحدى وخمسينَ مادةً، تقعُ في ثمانيةِ أجزاءٍ.
وقد التزمت الجمعيةُ القائمةُ بهذا العملِ الأخذَ بالأقوالِ الراجحةِ والمُفْتَى بها من مذهبِ أبي حنيفةَ، عدا مسائلَ قليلةٍ أخذت فيها بما ليس رَاجِحًا في هذا المَذْهَبِ. 
وقد سَدَّتْ هذه المجلةُ مَسَدَّهَا في حينِها في عالمِ القضاءِ والمعاملاتِ الشرعيةِ، وهذه القواعدُ معظمُها قواعدُ فقهيةٌ عامةٌ أساسيةٌ وفرعيةٌ ذاتُ صياغةٍ مُحْكَمَةٍ.
ومعظمُ تلك القواعدِ التي تَبَنَّتْهَا المجلةُ قواعدُ تتفقُ عليها المذاهبُ الفقهيةُ المشهورةُ مع اختلافِ كيفيةِ الاستعمالِ في بعضِها.
وقد شُرِحَتْ قواعدُ مجلة العدل الدولية شروحًا عِدَّةً، مِنْ أَقْدَمِهَا شَرْحٌ من تأليفِ مفتي سعود أفندي التركي، وقد طُبِعَ بالأستانةِ سنةَ 1299 هجرية (1881 ميلادية)، ومنها الشرحُ المسمَّى «دُرَرَ الحكامِ شرحُ مجلةِ الأحكامِ» للعلَّامةِ علي حيدر، وهو من أكبرِ الشروحِ وَأَجَلِّهَا وَأَشْهَرِهَا، يتميزُ ببيانِ المصادرِ الفقهيةِ وتفسيرٍ وافٍ للأحكامِ الشرعيةِ.
عَرَّبَهُ عن التركيةِ المحامي الأستاذُ فهمي الحسيني بأسلوبٍ سَهْلٍ جَزْلٍ.

 ثانيا: من مصادرِ المالكيةِ:

 1- «الفروقُ» للإمامِ أبي العباسِ أحمدَ بنِ أبي العلاءِ الشافعيِّ شهابِ الدينِ، الشهيرِ بالقَرَافِيِّ (نسبةً إلى القَرَافَةِ المجاورةِ لقبرِ الإمامِ الشافعيِّ بمصرَ) المتوفَّى سنةَ 684 هجرية.
وهذا الكتابُ من أروعِ كتبِ الفقهِ وَأَجَلِّهَا قَدْرًا وَأَعْمَقِهَا فكرًا. أتى فيه هذا المؤلفُ العبقريُّ بما لم يُسْبَقْ إليه، فقد امْتَازَ ببيانِ الفروقِ بينَ القواعدِ، في حين أن الكتبَ التي أُلِّفَتْ قبلَ هذا الكتابِ بعنوانِ الفروقِ كان موضوعُها بيانَ مسائلَ جزئيةٍ تَشَابَهَتْ صُوَرُهَا واختلفت أحكامُها فقط.
وهذا الكتابُ اسْتَخْلَصَ فيه المؤلفُ ما نَثَرَهُ في كتابِه «الذخيرة»، غيرَ أنه زَادَ فيه عليه وَتَوَسَّعَ في بَسْطِ المسائلِ وتحليلِها وَجَمَعَ فيه خمسَمائة وثمانيًا وأربعينَ قاعدةً مع إيضاحِ كُلِّ قاعدةٍ بما يناسبُها من الفروعِ.
وقد وَجَدْنَا أن مفهومَ القاعدةِ عندَ القَرَافِيِّ أوسعُ مدلولًا من المعنَى الذي تَعَارَفَ عليه الفقهاءُ، فإنه يُطْلِقُ لفظَ القاعدةِ على ضوابطَ وأحكامٍ أساسيةٍ كما يتبينُ ذلك للناظرِ في الكتابِ.
وفي الغالبِ يستهدفُ المؤلفُ بيانَ الفرقِ الواقعِ بينَ قاعدتينِ مع ذِكْرِ فروعٍ لهما، وفي بعضِ المَوَاطِنِ يتعرضُ لِذِكْرِ الفرقِ الواقعِ بينَ مسألتينِ من المسائلِ.
وقد اشْتُهِرَ هذا الكتابُ باسمِ «الفُرُوق»، وَخَيَّرَ القارئَ أَنْ يُسَمِّيَهُ- إِنْ شَاءَ- «كتابُ الأنوارِ والأنواءِ»، أو يُسَمِّيَهُ «كتابُ الأنوارِ والقواعدِ السنيةِ في الأسرارِ الفقهيةِ».

 2- كتابُ «القواعد» للشيخِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ المقرِيِّ نسبةً على «مقرة»، وهي قريةٌ من قُرَى إفريقيةَ، المكنَّى بأبي عبدِ اللهِ- جَدِّ المؤرخِ الأديبِ أحمدَ المقري صاحبِ «نفحِ الطِّيب»- تُوُفِّيَ سنةَ 758 هجرية.
وكتابُه هذا من أوسعِ كتبِ القواعدِ عندَ المالكيةِ، وَبَحَثَ فيه مسلكَ الإمامِ مالكٍ وأصحابِه مع الموازنةِ بِمَذْهَبَيِ الحنفيةِ والشافعيةِ في كثيرٍ من القواعدِ ومسائلِها، مع التعرضِ أحيانًا لأقوالِ الحنابلةِ أيضًا.
وقد جَمَعَ المؤلفُ في كتابِه هذا ما يَقْرُبُ من أَلْفٍ وَمِائَتَيْ قَاعِدَةٍ وَضَابِطٍ. ومعظمُها قواعدُ وضوابطُ مذهبيةٌ.

 3- «إيضاحُ المسالكِ إلى قواعدِ الإمامِ مَالِكٍ» للشيخِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ محمدٍ التلمساني الونشريسي، المُكَنَّى بأبي العباسِ، المتوفَّى سنةَ 914 هجرية.
يتضمنُ الكتابُ مائةً وثماني عشرةَ قاعدةً، ومعظمُ القواعدِ المذكورةِ في الكتابِ هي قواعدُ مذهبيةٌ تخدمُ المذهبَ المالكيَّ. وقد أَرْدَفَ كُلَّ قاعدةٍ بما يُنَاسِبُهَا من الفروعِ الفقهيةِ من أبوابٍ مختلفةٍ تَصِلُ في مجموعِها إلى نحوِ أَلْفَيْ مسألةٍ وصورةٍ، جُلُّهَا خِلَافِيَّةٌ.

 ثالثًا: مِنْ مصادرِ الشافعيةِ:

 1- «قواعدُ الأحكامِ في مصالحِ الأَنَامِ» لسلطانِ العلماءِ عِزِّ الدينِ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ السلامِ السُّلَمِيِّ، المغربي أصلًا، الدمشقي مَوْلِدًا، المصري دارًا وَوَفَاةً. وكتابُه هذا مِنْ أَقْدَمِ ما وَصَلَ إلينا في هذا الفنِّ، ولم يكن غرضُ المؤلفِ فيه جمعَ القواعدِ الفقهيةِ وتنسيقَها على نَمَطٍ مُعَيَّنٍ، ولكن كان غرضُه من تأليفِه كما ذَكَرَ في مقدمتِه: «بيان مصالحِ الطاعاتِ والمعاملاتِ، وسائرِ التصرفاتِ لِيَسْعَى العبادُ في تحصيلِها، وبيانِ مقاصدِ المخالفاتِ لِيَسْعَى العبادُ في دَرْئِهَا، وبيانِ مصالحِ العباداتِ ليكونَ العبادُ على خَبَرٍ منها، وبيانِ ما يُقَدَّمُ مِنْ بعضِ المصالحِ على بَعْضٍ، وما يُؤَخَّرُ من بعضِ المفاسدِ على بَعْضٍ، وما يدخل تحتَ اكتسابِ العبيدِ دونَ ما لا قُدْرَةَ لهم عليه ولا سبيلَ لهم إليه»(21).
فموضوعُه يدورُ حولَ القاعدةِ الأساسيةِ: «جَلْبُ المَصَالِحِ وَدَرْءُ المَفَاسِدِ».

 2- كتابُ «الأشباه والنظائر» للإمامِ محمدِ بنِ عمرَ بنِ مَكِّيٍّ الملقبِ بصدرِ الدينِ، المُكَنَّى بأبي عبدِ اللهِ بنِ المرحلِ، وكان يُعْرَفُ في الشامِ بابنِ الوكيلِ المصريِّ، وبهذا اشْتُهِرَ بينَ العلماءِ في آخِرِ حياتِه، وُلِدَ بدمياطَ سنةَ 665 هجرية، وَتُوُفِّيَ سنةَ 716 هجرية، وهو إمامٌ من كبارِ أئمةِ الشافعيةِ وكتابُه هذا هو أولُ مُؤَلَّفٍ في موضوعِه وَصَلَ إلينا بهذا الاسمِ، فكان فاتحةَ خيرٍ لِكُلِّ مَنْ تَصَدَّى لإفرادِ الأشباهِ والنظائرِ بالتصنيفِ.
وقد ذَكَرَ المحققونَ أن هذا الكتابَ لم يَتَمَكَّنِ المؤلفُ من تحريرِه، وإنما تَرَكَهُ نُبَذًا مُتَنَاثِرَةً، ولعلَّ السببَ في ذلك أنه أَلَّفَهُ حالةَ السفرِ، كما ذَكَرَ ذلك صاحبُ وفاةِ الوفياتِ(22).
قال تاجُ الدينِ السبكيُّ في «الطبقاتِ»( 23): «للشيخِ صدرِ الدينِ كتابُ الأشباهِ والنظائرِ وَمَاتَ وَلَمْ يُحَرِّرْهُ، فلذلك ربما وَقَعَتْ فيه مواضعُ على وجهِ الغَلَطِ». اهـ.
والذي حَرَّرَهُ وَهَذَّبَهُ هو ابنُ أخيه زينِ الدينِ المتوفَّى سنةَ 738 هجرية، وَزَادَ فيه بعضَ الزياداتِ، وَمَيَّزَ تلك الزياداتِ من الأصلِ بقوله: «قُلْتُ» والكتابُ ينطوي على زُمْرَةٍ من القواعدِ الأصوليةِ والفقهيةِ، ولكنه لم يَفْقِدْ طَابَعَهُ الفقهيَّ، فهو غالبٌ على معظمِ فصولِه وَمَبَاحِثِهِ.
وليست القواعدُ فيه سواء أكانت فقهيةً أم أصوليةً على النمطِ المألوفِ عندَ المتأخرينَ في حُسْنِ عِبَارَتِهَا، وَجَوْدَةِ صياغتِها، ولكنها نُقِّحَتْ، وَصِيغَتْ من جديدٍ في كتابِ «الأشباهِ والنظائرِ» للعلامةِ تاجِ الدينِ السبكيِّ.

 3- «الأشباه والنظائر» للشيخِ تاجِ الدينِ ابنِ السبكيِّ المتوفَّى سنةَ 771هـ.
وهو عبدُ الوهابِ بنُ عليِّ بنِ عبدِ الكَافِي بنِ عليِّ بنِ تمامٍ السُّبْكِيِّ، سَمِعَ الحديثَ بمصرَ، ثم رَحَلَ إلى دمشقَ مع والدِه العَلاَّمَةِ تقيِّ الدينِ، فأخذ الحديثَ هناك عن الإمامِ الحافظِ المِزِّي، ثم لاَزَمَ الحافظَ الذهبيَّ، وكان ذَا بلاغةٍ وَطَلَاقَةِ لِسَانٍ، له تصانيفُ كثيرةٌ، وقد انتهت إليه رئاسةُ القضاءِ بالشامِ.
وكتابُه هذا يحتلُّ مكانًا مَرْمُوقًا بينَ مؤلفاتِ هذا الفَنِّ، لمَّا أَبَانَ فيه المؤلفُ مِنْ وُجُوهِ القواعدِ الأصوليةِ والفقهيةِ، وأتى فيه بِدُرَرٍ علميةٍ نفيسةٍ، أَشَادَ به كثيرٌ من العلماءِ، وَسَارُوا على نهجِه في التأليفِ.

4- «المنثورُ في ترتيبِ القواعدِ الفقهيةِ» للشيخِ محمدِ بنِ بَهَادُرَ بنِ عبدِ اللهِ، بدرِ الدينِ المصريِّ الزَّرْكَشِيِّ الشافعيِّ المتوفَّى سنةَ 794 هجرية.

وهذا الكتابُ له قيمتُه العاليةُ بينَ مؤلفاتِ القواعدِ الفقهيةِ، فقد جَمَعَ المؤلفُ بينَ دَفَّتَيْهِ فروعَ المذهبِ الشافعيِّ المحررةَ، والقواعدَ والضوابطَ الفقهيةَ المقررةَ، وَلَعَلَّهُ أَجْمَعُ كتابٍ فيما وَصَلَ إلينا من جهودِ السابقينَ في هذا المجالِ.
وقد اشْتَمَلَ الكتابُ على حوالي مائةِ قَاعِدَةٍ مرتبةٍ على حسبِ حروفِ المُعْجَمِ.
وقد شَرَحَهُ الشيخُ سراجُ الدينِ عمرُ بنُ عبدِ اللهِ العباديُّ الشافعيُّ المصريُّ المتوفَّى سنةَ 941 هجرية.

 5- «الأشباهُ والنظائرُ» للشيخِ عمرَ بنِ عليِّ بنِ أحمدَ الأنصاريِّ الشافعيِّ، المعروفِ بابنِ المُلَقِّنِ المتوفَّى سنةَ 804 هجرية، وَلُقِّبَ بابنِ المُلَقِّنِ نسبةً إلى زوجِ أُمِّهِ الشيخِ عيسى المغربيِّ لأنه كان يُلَقِّنُ القرآنَ بأحدِ المساجدِ، وله تصانيفُ كثيرةٌ بلغت نحوَ ثلاثمائة مُصَنَّفٍ ما بينَ كبيرٍ وصغيرٍ، وهذا الكتابُ قد رَتَّبَهُ مُؤَلَّفًا على الأبوابِ الفقهيةِ، وَضَمَّنَهَا من القواعدِ الفقهيةِ ما يضبطُ تلك الأبوابَ ويجمعُ مَسَائِلَهَا.

 6- «الأشباهُ والنظائرُ» للشيخِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرِ بنِ محمدٍ الملقبِ بجلالِ الدينِ السيوطيِّ المتوفَّى سنةَ 911هـ.
وكتابُه هذا من أشهرِ الكتبِ في هذا الفنِّ وَأَغْزَرِهَا مادةً وَأَحْسَنِهَا تَرْتِيبًا وَتَنْسِيقًا، وقد جاء فيه المؤلفُ بخلاصةِ الكتبِ المتقدمةِ في القواعدِ الفقهيةِ.

 رابعًا: مِنْ مصادرِ الحنابلةِ:

 1- «القواعدُ النورانيةُ الفقهيةُ» للإمامِ تَقِيِّ الدينِ أبي العباسِ أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ بنِ عبدِ السلامِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ تيميةَ الحَرَّانِيِّ الدمشقيِّ المتوفَّى سنةَ 728 هجرية، وقد تكلم في كتابِه هذا عن القواعدِ الفقهيةِ وَتَنَاوَلَهَا بالشرحِ والتحليلِ ضمنَ الموضوعاتِ الفقهيةِ المُرَتَّبَةِ على النحوِ المعروفِ- ابتداءً من أحكامِ الطهارةِ إلى أحكامِ الأيمانِ والنذورِ- فَذَكَرَ في كُلِّ موضوعٍ منها القواعدَ والضوابطَ التي تَحْكُمُهَا، وبيانِ اختلافِ الفقهاءِ وَحُجَجِهِمْ، وَمَدَى اعتمادِهم على القواعدِ الفقهيةِ التي يُشِيرُ إليها، ويشيرُ في مواطنَ من كتابِه هذا بقولِه: «الغرضُ هو التنبيهُ على القواعدِ».

 وَمَنْ قَرَأَ كتبَ الإمامِ ابنِ تيميةَ في أبوابِ الفقهِ يَجِدْ فيها كثيرًا من القواعدِ الفقهيةِ التي اعتمد عليها في التصحيحِ والترجيحِ، وَيُبَيِّنُ أن هذه القواعدَ هي الأُسُسُ التي يَنْبَنِي عليها صرحُ التشريعِ الإسلاميِّ، وتجري عليها مَقَاصِدُهُ.

 2- «تقريرُ القواعدِ وتحريرُ الفوائدِ» (المشهورُ بقواعدِ ابنِ رَجَبٍ). وابنُ رجبٍ هو العَلَّامَةُ عبدُ الرحمنِ بنُ شهابِ بنِ أحمدَ بنِ أَبِي أحمدَ بنِ رَجَبٍ. وكتابُه هذا كتابُ فِقْهٍ يَعْرِضُ فيه المسائلَ الفِقْهِيَّةَ بطريقةِ الفقهاءِ، ويأتِي أثناءَ شرحِه لهذه المسائلِ بقواعدَ فقهيةٍ يعتمدُ عليها في التصحيحِ والترجيحِ والتقسيمِ. والقواعدُ التي جاءت فيه قواعدُ مذهبيةٌ في الغالبِ مبسوطةٌ بَسْطًا يَدُلُّ على أنه ما كان يقصدُ بكتابِه هذا أن يأتيَ بمثلِ القواعدِ التي جاء بها مَنْ سَبَقَهُ، ولكنه كان يضعُ الأسسَ التي تُبْنَى عليها الفروعُ الفقهيةُ الخلافيةُ في المذهبِ. وهو كتابٌ مطبوعٌ مُتَدَاوَلٌ، فيه علمٌ غزيرٌ في أبوابِ الفقهِ.

 كيف تُصَاغُ القَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ؟ 
بالنظرِ في كلامِ المصنِّفين في كتبِ القواعدِ يمكنُ أن تُقَسَّمَ القواعدُ إلى خمسةِ أَقْسَامٍ: 

 الأولُ: ما هو نَصُّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، ومن أمثلتِه قاعدةُ: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) هذه أصلُها حديثٌ ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وهذه أَعْلَى أنواعِ القواعدِ وَأَقْوَاهَا. 

 الثاني: القواعدُ المُسْتَنْبَطَةُ: كقاعدةِ: (اليقينُ لا يزولُ بالشكِّ) فإنها مُسْتَنْبَطَةٌ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ – في الصحيحينِ – أنه قال: شُكِيَ إلى النبيِّ ﷺ الرجلَ يُخَيَّلُ إليه أنه يَجِدُ الشيءَ في الصلاةِ، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». 

 الثالثُ: ما نُقِلَ عن الصحابةِ رضي الله عنهم وَوَقَعَ اتفاقُهم عليه مثلَ قولهم: (الاجتهادُ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ). 

 الرابعُ: قواعدُ اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيها. 

 وهذا الكتاب الذي بين أيدينا قد اشْتَمَل على نظم لِلْقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّة للشيخ السعدي رحمه الله، وهي الزائدة على منظومة ابن عثيمين رحمه الله، وحيث قلت: في الشرح وفي النظم، فأعني هذه المنظومة.
وبعدَ هذه المقدمةِ الموجزةِ فهذا أوانُ الشروعِ في المقصودِ، سائلين العونَ من المعبودِ سبحانَه وتعالى. 

 

([1]) الفروق للقرافي (1/71) ط دار السلام.
 
([2]) المنثور في القواعد للزركشي (1/65، 66) ط وزارة الأوقاف الكويتية بتحقيق د/ تيسير فائق أحمد محمود.
 
([3]) تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب (1/4) ط دار ابن عفان ت ش مشهور.
 
([4]) الإِساس بالكسرِ جمع أُس، وجمعُ الأساس بفتح الهمزة: أُسُس، انظر لسان العرب مادة (أساس).
 
([5]) لسان العرب لابن منظور (12 / 150) ط دار صادر.
 
([6]) شرح القواعد السعدية للدكتور عبد المحسن الزامل ص (14) ط دار ابن الجوزي.
 
([7]) «كتاب التعريفات» ط بيروت الأولى، دار الكتب العلمية (1403هـ/ 1983م)، ص171، باب القاف.
([8]) انظر «التلويح على التوضيح» ط محمد علي صبيح بالقاهرة ج1 ص20.
 
([9]) انظر «القواعد الفقهية» للشيخ علي أحمد الندوي صـ41.
 
([10]) «غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر» ج1 ص22.
 
([11]) شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، ص (33، 34) ط دار القلم.
 
([12]) القواعد الفقهية للندوي ص (331) ط دار القلم، دمشق، الثانية.
 
([13]) انظر «حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع» ج2 صـ290.
 
([14]) «الأشباه والنظائر» صـ192.
 
([15]) ج1 ص7.
 
([16]) أخرجه الإمام الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، كتاب اللباس، باب «ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت» ح رقم 1782.
 
([17]) انظر كتاب «الآثار» لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، تحقيق وتعليق أبو الوفاء الأفغاني ص232، ط دار الكتب العلمية.
 
([18]) الحاوي للفتاوى، تحقيق: عبد الرؤوف سعد، ط القاهرة، شركة الطباعة الفنية، 2/ 273
.
([19]) الفتاوى الحديثية، ط الثانية، مصطفى البابي الحلبي، ص 193، باب المعاني والبيان.
 
([20]) المناط: العلة.
 
([21]) قواعد الأحكام ص10.
 
([22]) وفاة الوفيات: 4/ 15.
 
([23]) طبقات الشافعية الكبرى: 9/ 255.

 

عداد الزوار