مقدمة النظم

أَبْـــدَأُ هَــذَا النَّظْــمَ بِالثَّنــَـاءِ        وَالحَمْــدِ لِلإِلَـهِ ذِي النَّعْمَـــاءِ 

ثُــمَّ الصَّــلَاةُ بَعْــدُ وَالسَّــلَامُ       عَلَــى نَبِــيٍّ لِلْهُـــدَى إِمَـــــام

وَبَعْــدُ إِنَّ لِلْعُلُــــومِ فَضْــــلَا        يَا مَــنْ يَعِــي وَيَسْتَنِيـرُ عَقْـلَا

  فَكُنْ مُجِدًّا فِي طَرِيقِ الطَّلَبِ         تَنَــلْ مُنَـاكَ مـِنْ جَمِيـلِ الْأَرَب  

                                              * * * 
                    أَبْـــدَأُ هَــذَا النَّظْــمَ بِالثَّنــَـاءِ وَالحَمْــدِ لِلإِلَـهِ ذِي النَّعْمَـــاءِ

والحمدُ: نقيضُ الذَّمِّ وهو الثناءُ على المحبوبِ محبةً له وتعظيمًا، فإن الثناءَ من غيرِ المحبةِ والتعظيمِ 
يكونُ مَدْحًا، أَفَادَهُ ابنُ القيم (1). 
واللامُ في قوله: للإلهِ تفيدُ الاختصاصَ في (الحمد) دونَ (الثناء)؛ لأن الحمدَ لا يكونُ إلا لله تعالى بخلافِ الثناءِ فإنه يكونُ للهِ ولغيرِ الله تعالى، والإلهُ هو المَأْلُوهُ، أي: المعبودُ محبةً وتعظيمًا، 

وقولُه: ذِي النعماءِ أي: صاحبِ النِّعَمِ الكثيرةِ، والفضائلِ الجسيمةِ التي لا يُحْصِيهَا العدُّ ولا يأتي عليها الحَصْرُ، وَصَدَقَ اللهُ تعالى إِذْ يقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: 53]. 
وبهذا جاء في النظم النَّصّ على الحمدِ والثناءِ على تَوَاتُرِ نِعَمِ الله تعالى وَتَتَابُعِ أفضالِه،

واللهُ يُحمد على كل حالٍ؛ لأنه سبحانَه مُتَّصِفٌ بالكمالِ. 
ولقد أَقَرَّ النبيُّ ﷺ النظمَ المشتملَ على المحامدِ؛ فَعَنِ الأسودِ بنِ سريعٍ قال: كنتُ شاعراً، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألا أُنْشِدُكَ محامدَ حمدتُ بها ربي قال: «إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ المَحَامِدَ» ولم يَزِدْنِي عليه (2). 

والبداءةُ بالحمدِ في مطلعِ المصنفاتِ العلميةِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، تَتَابَعَ عليها أهلُ العلمِ وَاسْتَحْسَنُوهَا، قال الإمامُ النوويُّ: قال العلماءُ رحمهم الله: يُسْتَحَبُّ البداءةُ بالحمدِ للهِ لكلِّ مُصنِّفٍ ودارسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ ومُزَوِّجٍ ومُتزوِّجٍ وبينَ يَدَيْ سائرِ الأمورِ المهمةِ. 

قال الشافعيُّ رحمه الله: أُحِبُّ أن يُقَدِّمَ المرءُ بينَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ -يعني بكسرِ الخاءِ-
وَكُلِّ أمرٍ طَلَبَهُ حمدَ الله تعالى والثناءَ عليه سبحانَه والصلاةَ على رسولِ الله ﷺ. اهـ(3).
 
                                            * * *

                       ثُــمَّ الصَّــلَاةُ بَعْــدُ وَالسَّــلَامُ عَلَــى نَبِــيٍّ لِلْهُـــدَى إِمَـــــامُ

 ومن تمامِ الثناءِ على الله تعالى الصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِه محمدٍ ﷺ فَكَمَا أن الإيمانَ
بالله تعالى لا يصحُّ بدونِ الإيمانِ برسولِه ﷺ، فكذلك الثناءُ لا يكونُ تَامًّا كاملاً إلا بالثناءِ على رسولِه ﷺ. 
والصلاةُ في اللغةِ: الدعاءُ، وَمِنْهُ قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أَيْ: ادْعُ لهم. 
والسلامُ دعاءٌ بالسلامةِ مِنَ المكروهِ والسوءِ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ تعالى بالجمعِ بينَهما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. 
والمرادُ بالنبيِّ هنا رسولُ الله محمدٌ ﷺ إِذْ هو إمامُ الهُدَى وخاتمُ النبيينَ ورحمةُ اللهِ للعالمينَ. 
وَمِنْ لطائفِ هذا البيتِ أن فيه: (ثُمَّ)... (بعدُ)... والإتيانُ بهذينِ اللفظينِ إشارةٌ إلى ما أُشِيرَ إليه مِنْ قَبْلُ، وحاصلُه أن مدحَ الرسولِ والصلاةَ عليه يكونُ بعدَ الحمدِ والثناءِ على الله تعالى؛ إِذْ حَقّ اللهِ تعالى مُقَدَّمٌ على حَقِّ رَسُولِهِ ﷺ. 

                                              * * *
                      
  وَبَعْــدُ إِنَّ لِلْعُلُــــومِ فَضْــــلَا يَا مَــنْ يَعِــي وَيَسْتَنِيـرُ عَقْـلَا
                        فَكُنْ مُجِدًّا فِي طَرِيقِ الطَّلَبِ تَنَلْ مُنَاكَ مِنْ جَمِيـلِ الْأَرَبِ

بعدَ الفراغِ من حمدِ اللهِ تعالى والصلاةِ على رسولِه ﷺ جاء حَثّ طَالِبِ العلمِ على الجِدِّ في الطَّلَبِ، والاستزادةِ من ذلك الشرفِ، وَيَكْفِي طالبَ العلمِ أَنَّ اللهَ تعالى قَبِلَ شهادتَه فَعدَّلَهُ
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. 

 قال الإمامُ القرطبيُّ رحمة الله عليه: 
(في هذه الآيةِ دليلٌ على فضلِ العلمِ وشرفِ العلماءِ وفضلِهم؛ فإنه لو كان أَحَدٌ أشرف من العلماءِ لَقَرَنَهُمْ اللهُ باسمِه واسمِ ملائكتِه كما قَرَنَ اسمَ العلماءِ، وقال في شرفِ العلمِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] فلو كان شيءٌ أشرف من العلماءِ لأَمَرَ الله تعالى نَبِيَّهُ ﷺ
أن يسألَه المزيدَ منه كما أَمَرَ أن يستزيدَ من العِلْمِ) (4).

 وفي النظم إخبار عن فضلِ العلمِ ذَوِي العقولِ والألبابِ، وهذا مُنْتَزَعٌ من أسلوبِ القرآنِ،
قال تعالى:
﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9]. 

قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ربّهم ويعلمون دينَه الشرعيَّ ودينَه الجزائيَّ وما له في ذلك من الأسرارِ والحِكَمِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا من ذلك، لا يستوي هؤلاءِ ولا هؤلاءِ؛ كما لا يستوي الليلُ والنهارُ والضياءُ والظلامُ والماءُ والنارُ. 
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ إذا ذكِّروا ﴿أُوْلُوا الْأَلْبَاب﴾ [الزمر: 9] أَيْ: أهلُ العقولِ الزَّكِيَّةِ الذَّكِيَّةِ؛ فَهُمُ الذينَ يُؤْثِرُونَ الأَعْلَى على الأَدْنَى؛ فَيُؤْثِرُونَ العلمَ على الجهلِ، وطاعةَ اللهِ على مخالفتِه؛ لأن لهم عقولًا تُرْشِدُهُمْ للنظرِ في العواقبِ؛ بخلافِ مَنْ لاَ لُبَّ له ولا عقلَ، فإنه يتخذُ إِلَهَهُ هَوَاهُ) اهـ (5).
وَمَنْ عَرَفَ شرفَ ما يَطْلُبُ هَانَ عليه ما يَبْذُلُ – كما قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ – وَلِذَا جاء التعقيب
بعد الكلام عن فضلِ العلمِ بالكلامِ عن الجِدِّ فَإِنَّ مُقْتَضَى العلمِ العملُ, والعلمُ عزيزٌ؛ لا يُعْطِيكَ بعضَه حتى تعطيه كُلَّكَ، ولكَ فِيمَنْ سَلَفَ من الأئمةِ قدوةٌ، فإن القلوبَ لَنْ تَنَالَ مُنَاهَا في طلبِ العلمِ وغيرِه حتى تتصلَ بِمَوْلَاهَا، وطريقُ ذلك علمٌ يَتْبَعُهُ عَمَلٌ فلا يَلِيقُ بطالبِ العلمِ التَّوَانِي، فهذا شأنُ الكُسَالَى، والكُسَالَى ما كانوا يومًا ولن يكونوا طلابًا للعلمِ، فَانْهَضْ وَشَمِّرْ عن ساعدِ الجدِّ
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14].        
                                                      

    * * *
وَقَدْ جَرَتْ عَادَاتُ أَهْلِ الْعِلْـمِ أَنْ بَسَّطُوا الْعِلْـمَ بِحَبْكِ النَّظْـمِ 

فَهَـــذِهِ المَنْظُـــومَةُ الْعِلْمِيَّـهْ تُبَيّــــِنُ الْقَــوَاعِـدَ الْفِقْهِـيَّــــهْ

     تِلْكَ الَّتِي أَتَتْ زِيَادَةً عَلَـى           نَظْمِ الْعُثَيْمِينَ الإمِامِ ذِي العُلَا

قَدْ نُظِّمَــتْ أُخَـيَّ مِـنْ كِتَـابِ إِمَامِـنَا السّعْــدِيِّ فِي ذَا البَابِ

وَقَدْ جَرَتْ عَادَاتُ أَهْلِ الْعِلْـمِ أَنْ بَسَّطُوا الْعِلْـمَ بِحَبْكِ النَّظْـمِ

لا شَكَّ أن أهلَ العلمِ كما دَوَّنُوا العلمَ نَثْرًا دَوَّنُوهُ نَظْمًا لأن في النظمِ فَائِدَتَيْنِ: 
الأُولَى: سهولةُ حِفْظِهِ، ورأسُ مالِ طالبِ العلمِ الحفظُ، وكلُّ مَا لَا يَحْوِيهِ رَأْسُكَ فَلَا تَعُدَّهُ مِنْ عِلْمِكَ.
الثانيةُ: يَمْلِكُ على السامعِ نَفْسَهُ، ويثيرُ انتباهَه، ولا يكادُ يَمَلُّ منه، خاصةً إذا كان وَاعِيًا له عالمًا بمعناه. وإلى هذا أشارَ السَّفَارِينِيُّ بقوله: 

 وصارَ من عادةِ أهلِ العلمِ أن يَعْتَنُوا في سَبْـرِ ذَا بالنظمِ
      لأنه يَسْهُـلُ للحفظِ كما               يَرُوقُ للسمعِ وَيَشْفِي مِنْ ظَمَا

 وهذا من تمامِ نُصحِ العلماءِ لهذه الأمةِ فإنهم لم يَدَعُوا سبيلًا تَعْرِفُ به الأمةُ دينَها إلا سَلَكُوهُ،
ولا طريقًا لمن بعدَهم إلا هَيَّئُوهُ، فرحمةُ اللهِ عليهم أَجْمَعِينَ.
 

فَهَـــذِهِ المَنْظُـــومَةُ الْعِلْمِيَّـهْ تُبَيّــــِنُ الْقَــوَاعِـدَ الْفِقْهِـيَّــــهْ
تـــِلْكَ الَّتِي أَتَتْ زِيَادَةً عَلَـى نَظْمِ الْعُثَيْمِينَ الإمِامِ ذِي العُلَا
قَدْ نُظِّمَــتْ أُخَـيَّ مِـنْ كِتَـابِ إِمَامِـنَا السّعْــدِيِّ فِي ذَا البَابِ

أَفْصَحَت هذه الأبياتِ عن (موضوعِ المنظومةِ) وَ(مَنْهَجِها) فموضوعُها القواعدُ الفقهيةُ وبيانُ ما تَيَسَّرَ منها، ومنهجُها مراعاة أَمْرَيْنِ: 
الأولُ: أنها نَظْمٌ على كتابِ العلامةِ: عبدِ الرحمنِ بنِ ناصرٍ السعديِّ رحمه الله في القواعدِ الفقهيةِ.
الثانِي: أنها زائدةٌ؛ أي: مشتملةٌ على قواعدَ لم تُذْكَرْ في نَظْمِ العَلَّامَةِ: محمدِ بنِ صالح العثيمين رحمه الله وَالمُسَمَّى بـ: (نَظْم القواعدِ والأصولِ).

 

([1]) راجع جلاء الأفهام ص (376) ط دار ابن الجوزي.

([2]) الأدب المفرد (861) وحسنه الألباني.

([3]) المجموع شرح المهذب للإمام يحيى بن شرف النووي (1/ 111) ط دار الفكر.

([4]) الجامع لأحكام القرآن (4/38،  39) ط التوفيقية.

([5]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي ص (850)

ط دار ابن الجوزي.  

 

عداد الزوار