فَصْلٌ

 
إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ كَذَا، قِيلَ لَهُ: فَسِّرْهُ، فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ، فإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ أَوْ بِأَقَلِّ مَالٍ قُبِلَ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ قِشْرِ جَوْزَةٍ لَمْ يُقْبَلْ، وَيُقْبَلُ بِكَلْبٍ مُبَاحٍ نَفْعُهُ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ رُجِعَ فِي تَفْسِيرِ جِنْسِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِجِنْسٍ أَوْ أَجْنَاسٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِيْنَارٌ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، وَنَحْوُهُ فَهُوَ مُقِرٌّ بِالأَْوَّلِ.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
هذا الفصل عقده المؤلف للإقرار بالشيء المجمل المبهم، والتابع لغيره؛ فـ«إِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ شَيْءٌ» أو عليَّ «كذا»، فهنا ثبت إقرار ولم يُبِيَّن المُقَرُّ به؛ فإنه يقال للمُقِرِّ «فَسِّرْهُ» ما هذا الشيء الذي قلت: إنه لفلان عليك؛ فإن فسره؛ كأن قال: الشيء الذي له علي مائة درهم، فيلزمه مائة درهم، فإن ادعى المُقَر له أنه مائة دينار مثلًا، فإن أتى ببينة وإلا فالقول قول المقر.
قوله: «فَإِنْ أَبَى»المقر «حُبِسَ»يعني منع من الذهاب والمجيء «حَتَّى يُفَسِّرَهُ؛ فَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ» مثال ذلك: بعتُ نصيبي من هذه الأرض على زيد وشريكي عمرو، فقال زيد الذي اشترى نصيبي لعمرو: لك علي شيء، قيل له: ما الشيء الذي لي عليك؟ قال: حق الشفعة؛ فقوله يُقْبَل.
وكذا لو فسره بحق خيار قُبِل، بل لو فسره «بِأَقَلِّ مَالٍ قُبِلَ» ولكن «إِنْ فَسَّرَه بِمَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ قِشر جَوْزَةٍ لَمْ يُقْبَلْ»؛ لأنها غير متموَّلة فلا تثبت في الذمة، «وَيُقْبَلُ بِكَلْبٍ مُبَاحٍ نَفْعُهُ أَوْ حَدِّ قَذْفٍ» فإذا قال: له علي شيء، قيل: فسره، قال: كلب صيد أو كلب ماشية أو كلب حراسة، فيقبل؛ لأنه يجب رده على صاحبه، وكذلك يقبل بحد قذف؛ لأن هذا حق لآدمي فهو كالحق المالي، وإن ادعى المُقَر له شيئًا، قيل له: أثبت البينة، وإلا فلا شيء لك.
قوله: «وَإِن قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ رَجَعَ فِي تَفْسِيرِ جِنْسِهِ إِلَيْهِ»فإن فسره بألف درهم أو ألف دينار أو ألف ثوب؛ فقوله:«فَإِن فَسَّرَهْ بِجِنْسٍ»واحد بأن قال: ألف دينارقُبل منه، وكذا إن فسرهبـ«أَجْنَاسٍ»كألف دينار ودرهم «قُبِلَ مِنْهُ»، ويلزمه في هذا المثال ألف دينار وزيادة درهم، لكن لو قال: ألف دنانير ودراهم، فحينئذ يلزمه من الجنسين ما لا يزيد على الألف، فإن لم يبين النسبة فهما مناصفة، فيلزمه خمسمائة دينار وخمسمائة درهم.
قوله: «وإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ»؛لأن الذي بين الواحد والعشرة ثمانية، «وإن قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ أو مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ لَزِمَهُ أَحَدُهُما» ويرجع في التعيين إلى نفس المقر، «وإن قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ ونَحْوُه فهُوَ مُقِرٌّ بِالأَوَّلِ» أي فهو مقر بالتمر في المثال الأول، والسكين في المثال الثاني، بخلاف ما لو قال: سيف في قراب، فإنه مُقِرٌّ بهما جميعًا، والفرق أن القراب ملازم للسيف غالبًا أو دائمًا ولا تكاد تجد سيفًا صلتًا، وكذا هو مقر بالفص في المثال الثالث، والخاتم غير مقر به، وإذا قال: خاتم فيه فص يلزمه الأمران، والله أعلم.
وينبغي أن يقال: إن مسألة الإقرارات يرجع فيها إلى العرف لا إلى ما تقتضيه اللغة؛ لأن الإقرارات مبنية على ما يتعارفه الناس في عاداتهم ونطقهم.
 
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
 

 

عداد الزوار